التعريف بالشيخ الحملاوي
هو الأستاذ اللغوي الثقة، الشيخ أحمد بن محمد بن أحمد الحملاوي نسبةً إلى "مُنْيَة حَمَل" من قرى "بُلْبَيْس" بمحافظة الشرقية. وهو عربي الأرومة، يُنْمَى إلى الدوحة العلوية الكريمة، كما صرح بذلك في كثير من قصائده في ديوانه.وقد ذكر على مبارك باشا في كتابه الخطط التوفيقية (ج 9 ص 77) أنه ولد سنة "1273 هجرية - 1856م" وتربى في حجر والده، وقرأ وتلقى كثيراً من العلوم الشرعية والأدبية عن أفاضل عصره، ثم دخل مدرسة دار العلوم، وتلقى الفنون المقررة بها وبعد مدة أعلنت دار العلوم حاجتها إلى مدرس للعلوم العربية، وعقدت لذلك امتحان مسابقة كان الشيخ من أوائل المبرزين فيه، فنقل إلى دار العلوم. وفى سنة 1897م ترك الأستاذ التدريس بالمدارس الحكومية، مؤثرًا الاشتغال بالمحاماة في المحاكم الشرعية، وفى أثناء ذلك أقبل على التحضير لنيل شهادة العالمية من الأزهر فنال بغيته، وكان أول من جمع بين العالمية وإجازة التدريس في دار العلوم وعلى إثر ذلك عَهِدَتْ إليه الجامعة الأزهرية بتدريس التاريخ والخطابة والرياضيات لطلابها ثم أدركته الوفاة في (22 من شهر ربيع الأول سنة 1351 هـ = 26 من يوليه سنة 1932م).
وقد كسب الشيخ معارفه العلمية في بيئتين: البيئة الأولى: الأزهر الشريف، درس فيه علوم الدين؛ من تفسير وحديث وعقائد وفقه على مذهب الشافعي، الذي خالط حبه شغاف قلبه وتمكن من نفسه ودرس العلوم اللسانية: من نحو، وصرف، وعروض، وبلاغة، ووضع ...إلخ، على شيوخ عصره، وأحرز من كل ذلك قسطاً موفوراً، دل عليه تمكنه منها في كتبه ودروسه، وإحرازه درجة العالمية.
والبيئة الثانية: دار العلوم، التي أنشأها علي مبارك باشا وزير المعارف المصرية، لتخريج معلمين، يحسنون تعليم اللغة العربية والدين لتلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية. فأقبل كثير من أذكياء الطلاب الأزهريين على دار العلوم، ينهلون من ثقافتها المختلطة، وكان المؤلف من الرعيل الأول الذي سبق إليها، فنهل وعَلَّ من معارفها وآدابها. ونال إجازة التدريس منها سنة 1888م. كان الشيخ رحمه الله ضليعًا في علوم العربية: نحوها وصرفها ولغتها وعروضها وبلاغتها وأدبها، وكان يروي من ذلك كلِّه ويحفظ الشيء الكثير، مع حسن اعتناء بفهم ما يحفظ وجودة نقد لما يروى، وبراعة استخراج للعبرة والفائدة. وكان النحو والصرف واللغة والشعر الميدان المحبب إليه، يجول فيها فيتمتع ويتتبع أقوال الأوائل والأواخر، فلا يكتفى ولا يشبع. وكان معجبا بابن هشام الأنصارى من النحاة المصريين (708 - 761هـ) وبما جمع شرحه لألفية ابن مالك الموسوم "بأوضح المسالك، إلى ألفية ابن مالك". من مادة غزيرة. فحفظ مسائله، وجعله أساس دراساته النحوية والصرفية وتحقيقاته اللغوية، التي كان ينثرها بين يدي تلاميذه في دروسه ومحاضراته. ومنه التقط أغلى دُرره التي ألف منها كتابه هذا: "شذا العرف في فن الصرف" مع ما أضاف إليها من شذرات أخرى، من مفصل الزمخشريّ، ومن شافية ابن الحاجب، وشرحها لرضى الدين الاستراباذيّ، وغيره من محققي الأعاجم المتأخرين، الذين عُنُوا بالدراسات الصرفية، وأشبعوها تأليفا وتوضيحًا وتصنيفًا. وقد أسبغ الشيخ على هذه المادة التي أحسن اختيارها من كتب العلماء، كثيراً من ذوقه وخبرته بأساليب التعليم والتصنيف، فتصرف فيها توضيحاً وتهذيباً، وتنسيقاً وتبويباً، حتى جاء هذا الكتاب محكم الطريقة، واضح الأسلوب، جامعا للعناصر الضرورية التي لا بد منها لدارسي اللغة وفنونها ممثلا ما وصلت إليه الثقافة اللغوية في مدارس البصرة والكوفة وبغداد والفسطاط والأندلس. ثم ما انتهت إليه أخيرًا على يد ابن مالك وأبى حيان وتلاميذها من رجال المدارس النحوية الأخيرة التي لا تزال آثارها قوية باقية.
وإجمال القول، أن كتاب "شذا العرف" من أنفع الكتب لطلاب الدراسات الصرفية في المدارس والمعاهد وبعض الكليات. وكثرة طبعات هذا الكتاب دليل على استمرار النفع به، وعلى قيمة ما أودع فيه من مادة صحيحة مهذبة ملائمة لعقول الطلاب.
مؤلفات الشيخ وآثاره العلمية والأدبية:
1- شذا العرف، في فن الصرف. (طبع أول مرة سنة 1312هـ = 1894م).
2- زهر الربيع، في المعاني والبيان والبديع (طبع أول مرة سنة 1327هـ = 1909م) بالمطبعة الأميرية.
3- مورد الصفا في سيرة المصطفى (طبع أول مرة سنة 1358هـ = 1939م) بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بالقاهرة.
4- قواعد التأييد، في عقائد التوحيد، رسالة صغيرة طبعت بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بالقاهرة سنة (1372هـ = 1953).
5- ديوان شعره. تم طبع الجزء الأول منه في أول يونية سنة 1957م، بمطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بالقاهرة.
مِن شِعْرِه:
الفَخــــــــرُ بالعِلـــــمِ لا بالجــــــــــاهِ والمالِ والمَجَـــــدُ بالجِـــدِّ لا بالجَدِّ والخالِ
كَم مِن مَليءٍ وضَيءِ الوَجهِ تَحسَبُه لِلعِلمِ خِــــــــلًّا ولَكِن فِكْــــــــرُه خالــي
في المالِ والجـــــــاهِ أسبابُ الغُـــــــــــرورِ ومَن يَعتَـــــــزَُ بالأهلِ كالمُغتَرِّ بالآلِ
تِلكَ الأمـــــــــورُ سَــــــحاباتٌ تُغَيِّـــــــــرُها حَوادِثُ الدَّهرِ مِن حالٍ إلَى حـــالِ
ولَكِنَّ العِلــــــــمَ لا يَنفِكُّ صاحِبُــــــــــــه مُعظَّمَ القَـــــــــدْرِ في حِــــــلٍّ وتَرْحالِ
أُفْــــــقُ السِّماكَيْنِ بَل أعلاه مَقعَدُه في كُلِّ حـــــــالٍ تَــــــــــراه ناعِـــــــــمَ البالِ
إن عاشَ عاشَ أجــلَّ النَّاسِ مَنْـزِلة أو مات مات بإعظـــــــــامٍ وإجـــــــــــلالِ
عَقيدتُه
كان الشَّيخُ الحَمَلاويُّ على اعتِقادِ الأشعَرِيَّةِ؛ فإنَّه وضع كتابَه "قواعد التَّأييد في عقائِدِ التَّوحيد" على اعتِقادِ أبي الحَسَنِ الأشعَريِّ، يقولُ فيه: (وواضِعُه في الأصلِ هو المولى سُبحانَه وتعالى ووصل إلينا على لِسانِ الأنبياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لأنَّ كُلَّ شَريعةٍ جاءت به، ولكِنِ الآنَ يقالُ: إنَّ الواضِعَ له الشَّيخُ أبو الحَسَنِ الأشعَريُّ والشَّيخُ أبو منصورٍ الماتُريديُّ؛ لشُهرتِهما دونَ غَيرِهما في تدوينِ كُتُبِ هذا العِلمِ وإقامةِ الأدِلَّةِ والبراهينِ على ردِّ ما قاله المُخالِفون).
ومِن تَلَامِذَتِه:
عبدُ العزيزِ شاويش بك، ومُحَمَّد عاطف بركات باشا، ومُحَمَّد الخُضَري بك، ومهدي زيكو، وأحمد الإسكَنْدَري، وحسن منصور، ومُحَمَّد مهدي خليل.
وفاته: تُوفِّي الشيخ الحملاوي سَنةَ إحدى وخمسين وثلاثِ مِائةٍ وألْفٍ للهجرة.